• فارسی
  • English
Brand
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • المظهر
  • اللغة
    • فارسی
    • English
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
جميع الحقوق محفوظة، يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر.
volant media logo

تشييع "تابوت" خامنئي.. حين تتحول الطقوس الدينية إلى أداة سياسية

نعيمة دوستدار
نعيمة دوستدار

صحافية - "إيران إنترناشيونال"

3 يوليو 2026، 16:07 غرينتش+1

بعد أربعة أشهر من مقتل علي خامنئي، حوّلت إيران مراسم تشييعه إلى مشهد واسع من الحداد الرسمي، والطقوس الدينية، واستعراض القوة؛ في محاولة لتحويل النهاية السيئة للمرشد إلى رواية عن الشهادة، والاقتدار، واستمرار النظام.

إن تشييع جنازة علي خامنئي، أكثر من كونه مراسم وداع لزعيم راحل، هو مشهد لإعادة بناء القوة الجريحة للنظام الإيراني، الذي قُتل زعيمه في الضربة الأولى للحرب، في قلب هيكل السلطة وبرفقة عدد من أفراد عائلته، وها هو يحاول الآن، من خلال التابوت، والعلم، والمراثي، والحشود المنظمة، ولغة الشهادة، أن يغيّر صورة الهزيمة.

ولا يهم إن كان جثمان خامنئي الحقيقي داخل التابوت أم لا؛ فهذا الغموض بحد ذاته أصبح جزءًا من الوضع الجديد لإيران: نظام يُخفي الحقيقة، ويدير الموت، ويحوّل غياب الشفافية إلى طقس سياسي.

وفي مثل هذا الوضع، يصبح التابوت أكثر من مجرد حامل لجثمان؛ إنه حامل لرسالة مفادها أن النظام لا يزال قادرًا على إخراج المشاهد، وحشد الجماهير، وصناعة الرواية.

التابوت بدلاً من الهيبة

كان خامنئي، في حياته، الرمز النهائي للسلطة غير الخاضعة للمساءلة في إيران؛ الزعيم الذي أشرف لعقود على القمع، والإعدامات، وإقصاء المعارضين، والسيطرة على أجساد النساء، وهندسة الانتخابات، والعنف الأمني.

ولكن موته، بالطريقة التي حدث بها، حطم صورته بوصفه قائدًا لا يُقهر. فالزعيم الذي قدّم نفسه قائدًا لمحور المقاومة ومركزًا للقوة الإقليمية، لم يُقتل في ساحة معركة، بل استُهدف فجأة وبشكل مهين.

ولهذا يجد النظام نفسه مضطرًا إلى إعادة كتابة مشهد موته. فمراسم التشييع يُراد لها أن تمحو هذه الهزيمة من الذاكرة العامة، وأن تحل محلها صورة جديدة: قائد شهيد، وأمة ثكلى، وعدو خارجي، ونظام ما زال صامدًا رغم الضربة. وهنا، كعادته، تتحول الطقوس الدينية إلى أداة سياسية.

تحويل خامنئي إلى شهيد

في الثقافة السياسية للنظام الإيراني، لا يكون الموت مجرد موت؛ فإذا خدم السلطة، تحوّل إلى «شهادة». ويحاول النظام الآن إعادة تقديم خامنئي، لا بوصفه قائدًا قمعيًا حكم خلال العقود الأربعة الماضية، بل باعتباره شخصية مقدسة، ومظلومة، وضحية لعدو خارجي.

محاولة غسل الذاكرة

لكن المشكلة التي تواجه النظام الإيراني هي أن ذاكرة المجتمع لم تُمحَ.

فبالنسبة إلى ملايين الإيرانيين، يرتبط اسم خامنئي بمجازر نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، وقمع حركة «المرأة، الحياة، الحرية»، وإعدام المحتجين، والفقر الواسع، والهجرة القسرية، والفساد البنيوي، وتحويل الحياة اليومية إلى ساحة للبقاء.

ويريد النظام أن يغطي صوت المراثي وصور الحشود على هذه الذاكرة، لكن الحداد الرسمي لا يعني بالضرورة وجود حداد اجتماعي.

فالحشود التي جُمعت بالحافلات، والعطل الرسمية، والإمكانات الحكومية، والضغوط الإدارية، والدعاية المستمرة، وشبكات التعبئة والمؤسسات الرسمية، ليست دليلاً على حب شعبي. وهي، قبل أن تكون دليلاً على الشرعية، تعكس قدرة النظام وإصراره على تنظيم المشهد.

ويريد النظام الإيراني أن يجعل من الأجساد الموجودة في الشوارع وثيقة ولاء، حتى وإن كان كثير منها قد حضر بدافع الخوف، أو الإكراه، أو المنفعة، أو الاعتياد، أو اللامبالاة.

الطقوس الشيعية في خدمة سياسة البقاء

ويمنح تزامن المراسم مع أجواء شهر المحرم النظام فرصة رمزية.

فمنذ تأسيسها، روى النظام الإيراني مشروعه السياسي بلغة عاشوراء، والمظلومية، والدم، والعدو، والشهادة. وهو يحاول اليوم إدراج موت خامنئي ضمن هذا الإطار الرمزي؛ أي تحويل ديكتاتور كان مسؤولًا عن إراقة دماء كثيرة، في الرواية الرسمية، إلى ضحية تستحق الثأر.

ويشكّل هذا التحول في المعنى جوهر الدعاية الرسمية؛ إذ يُمحى الضحايا الحقيقيون، بينما يُمنح المسؤول عن القمع موقع المظلوم.

فأمهات القتلى، والسجناء السياسيون، والنساء اللواتي تعرضن للقمع، وعائلات الذين أُعدموا، جميعهم غائبون عن هذا المشهد.

لقد صُمم المشهد لنوع واحد فقط من الحداد المسموح به: الحداد على السلطة التي تعرضت للإهانة.

لكن هذه الحاجة الملحّة إلى الاستعراض الديني تكشف في الوقت نفسه أن القوة السياسية وحدها لم تعد كافية.

فإذا كان النظام لا يزال يرى نفسه قويًا، فلماذا يحتاج إلى كل هذه الطقوس، والإنفاق، وتعطيل الحياة، والإجراءات الأمنية، والدعاية، لإثبات استمراره؟

الإجابة واضحة: لأن صورة السلطة تعرضت لتصدع واضح بعد مقتل خامنئي.

إعادة بناء الهيبة من قلب الهزيمة

إن تشييع خامنئي هو في الحقيقة اختبار للنظام في مرحلة ما بعد خامنئي.

فالجمهورية الإسلامية تريد أن تثبت أن رحيله لم يؤد إلى انهيارها، ولم يترك فراغًا في السلطة، وأنها ما زالت قادرة على السيطرة على الشارع.

وهذه المراسم ليست سوى مناورة سياسية بعد الحرب؛ مناورة يقوم بها نظام تلقى ضربة عسكرية، وفقد شرعيته الاجتماعية، ويواجه مجتمعًا غارقًا في انعدام الثقة.

ولهذا، فإن تشييع جنازة خامنئي لا يمثل نهاية مرحلة، بقدر ما يمثل محاولة للسيطرة على الرواية المتعلقة بنهايته.

فالنظام يدرك أن كيفية مقتل خامنئي أصبح رمزًا لضعفه، لذلك يسعى إلى تحويل كيفية تشييعه إلى رمز للقوة.

غير أن هذا المشروع ينطوي على تناقض جوهري.

فالنظام الذي يحاول أن يصنع من جثمان خامنئي مصدرًا للهيبة، يعترف، من حيث لا يريد، بأن هيبته لم تعد كافية؛ لأنه لو كانت لديه شرعية حقيقية، لما احتاج إلى كل هذا الاستعراض.

ولو كان المجتمع حزينًا فعلاً، لما احتاج إلى هذا الحجم من التنظيم.

ولو كان الزعيم محبوبًا حقًا، لما اضطرت السلطة إلى إعادة كتابة موته بكل هذا القدر من الدعاية، والطقوس، والسيطرة الأمنية.

قد يُطاف بتابوت خامنئي في الشوارع، لكن ما يريد النظام الإيراني دفنه ليس جثمانه، بل ذاكرة موته المهين، وما يريد الإبقاء عليه حيًا هو منظومة السلطة التي كان خامنئي يمثلها.

إن تشييع خامنئي ليس مراسم وداع لرجل، بل هو مراسم دفاع عن «نظام» يسعى إلى تحويل موت مرشده السابق إلى رأس مال سياسي يضمن استمرار الديكتاتورية.

الأكثر مشاهدة

الحكم بالإعدام على شاب إيراني وخطيبته والسجن 10 سنوات لشقيقته
1

الحكم بالإعدام على شاب إيراني وخطيبته والسجن 10 سنوات لشقيقته

2

مقتل 5 أعضاء بالحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في اشتباك مع الحرس الثوري بـ"بيرانشهر"

3

"واشنطن بوست": الولايات المتحدة حذّرت طهران من خطة إسرائيلية لاغتيال قادة إيرانيين

4

تشييع "تابوت" خامنئي.. حين تتحول الطقوس الدينية إلى أداة سياسية

5

"كاميرات المراقبة" تكشف تفاصيل جديدة بشأن الهجوم على مذيع "إيران إنترناشيونال" في لندن

•
•
•

المقالات ذات الصلة

كوارث جنائز الماضي تُلقي بظلالها على مراسم تشييع ودفن خامنئي

1 يوليو 2026، 21:30 غرينتش+1
•
مريم سينائي
كوارث جنائز الماضي تُلقي بظلالها على مراسم تشييع ودفن خامنئي
100%

تستعد إيران لتنفيذ عملية أمنية غير مسبوقة خلال مراسم تشييع ودفن المرشد السابق، علي خامنئي، في محاولة لتجنب تكرار حوادث التدافع المميتة التي شهدتها جنازتا مؤسس النظام، روح الله الخميني، عام 1989 والقائد السابق لفيلق القدس، قاسم سليماني عام 2020.

وبعد أكثر من أربعة أشهر على وفاة خامنئي، أعلنت السلطات أنه سيُدفن في 9 يوليو (تموز) الجاري، عقب خمسة أيام من المراسم التي ستُقام في إيران والعراق. ويقول المسؤولون إن هذا التأخير غير المعتاد يعود إلى ظروف الحرب والاعتبارات الأمنية، ما يعكس التعقيدات السياسية واللوجستية المرتبطة بدفن أطول مرشد حكم إيران.

وستمثل هذه الجنازة أيضًا أول مراسم رسمية كبرى تُقام في عهد المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، ما يجعلها اختبارًا مهمًا لقدرة القيادة الجديدة على إظهار سلطتها والحفاظ على الأمن والنظام.

وسيُسجّى جثمان خامنئي لمدة ثلاثة أيام في مصلى طهران، قبل أن ينطلق موكب التشييع عبر العاصمة. ثم سيُنقل الجثمان إلى مدينتي النجف وكربلاء المقدستين في العراق، قبل أن يعود إلى إيران لإقامة مراسم في "قم"، ثم يُدفن في مشهد، مسقط رأسه، داخل مرقد الإمام الرضا، الإمام الثامن لدى الشيعة.

وكان وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قد زار بغداد هذا الأسبوع للتنسيق مع المسؤولين العراقيين بشأن ترتيبات موكب التشييع العابر للحدود.

ولم تعلن السلطات حتى الآن عن الشخص الذي سيؤم صلاة الجنازة، وهي من أكثر اللحظات رمزية في هذه المراسم. ويرى بعض المراقبين أنه إذا ظهر مجتبى خامنئي علنًا لأول مرة منذ وفاة والده، فقد يتولى بنفسه إمامة الصلاة، إلا أن السلطات لم تعطِ أي إشارة إلى احتمال حدوث ذلك.

الأمن في صدارة الأولويات

شدد المسؤولون الإيرانيون مرارًا على أن إدارة الحشود والإجراءات الأمنية ستكونان الأولوية القصوى خلال مراسم التشييع.

وأشار محافظ "خراسان رضوي"، غلام حسين مظفري، حيث سيدفن خامنئي، إلى إمكانية استخدام المروحيات خلال بعض مراحل العملية للمساعدة في ضبط الحشود وضمان نقل النعش بأمان.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان استخدام هذه الوسائل سيقتصر على مدينة مشهد أم سيشمل مختلف مراحل المراسم.

ومن المرجح أن تتطلب حماية كبار المسؤولين، وإدارة الحشود، ونقل الجثمان بين عدة مدن في بلدين، واحدة من أكبر العمليات الأمنية في تاريخ إيران.

ووصف محمد رضا عارف النائب الأول للرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، جنازة خامنئي بأنها «أهم حدث في القرن الحادي والعشرين»، في إشارة إلى الأهمية السياسية والرمزية التي توليها السلطات لهذه المناسبة.

دروس مستفادة من جنازة الخميني

يرجع هذا الحذر الإيراني بدرجة كبيرة إلى الفوضى التي رافقت جنازة مؤسس النظام، روح الله الخميني، بعد وفاته في 3 يونيو (حزيران) 1989.

فقد سُجّي جثمانه في مصلى طهران، وأقيمت صلاة الجنازة بإمامة آية الله العظمى، محمد رضا كلبايكاني.

ولكن في اليوم التالي، اندفع مئات الآلاف من المشيعين نحو نعش الخميني أثناء نقله إلى مكان الدفن، وفقدت قوات الأمن السيطرة على الحشود بعدما حاول كثيرون لمس النعش، ما أدى إلى إلحاق أضرار به وتمزيق كفنه.

واضطرت السلطات إلى نقل الجثمان بطائرة مروحية وإعادته إلى جماران لإعادة تكفينه، قبل تأجيل مراسم الدفن إلى اليوم التالي.

وزعمت وسائل الإعلام الرسمية أن عدد المشاركين بلغ نحو 10 ملايين شخص، بينما قدّرت مصادر أجنبية العدد بأقل من ذلك بكثير. وأصيب عدد كبير من الأشخاص، كما يُعتقد أن آخرين لقوا حتفهم بسبب التدافع، إلا أن السلطات لم تعلن مطلقًا حصيلة رسمية للضحايا.

ودُفن الخميني في البداية بقبر بسيط قرب مقبرة "بهشت زهرا" في طهران، قبل أن يتحول الموقع لاحقًا إلى مجمع ضخم يضم ضريحه.

مأساة أخرى

أما جنازة قاسم سليماني، الذي قُتل في ضربة أميركية بطائرة مسيرة قرب مطار بغداد في يناير (كانون الثاني) 2020، فقد أصبحت أكبر جنازة رسمية في إيران منذ جنازة الخميني.

ونُقل جثمانه عبر عدة مدن عراقية وإيرانية قبل وصوله إلى مسقط رأسه كرمان؛ حيث أدى تدافع الحشود وانهيار الحواجز إلى مقتل 56 شخصًا على الأقل وإصابة أكثر من 200 آخرين، ما اضطر السلطات إلى تأجيل مراسم دفنه.

ولا تزال الكارثتان اللتان رافقتا جنازتي الخميني وسليماني تؤثران في طريقة تخطيط السلطات الإيرانية للمراسم الرسمية الكبرى.

ومن خلال التركيز على ضبط الحشود، وتنظيم مواكب التشييع بعناية، وفرض إجراءات أمنية استثنائية، يبدو أن السلطات عازمة على أن تُذكر جنازة علي خامنئي بوصفها دليلاً على قدرة الدولة على إدارة أحد أكثر الأحداث أهمية في تاريخ إيران، لا بوصفها مشهدًا للفوضى.

هل تستعد طهران لإعادة هيكلة الحرس الثوري؟

30 يونيو 2026، 22:32 غرينتش+1
•
نكار مجتهدي
هل تستعد طهران لإعادة هيكلة الحرس الثوري؟
100%

تطرح تصريحات شخصية إعلامية مقربة من بنية النظام الإيراني، مفادها أن الحرس الثوري قد يُحل من الداخل، سؤالاً غير متوقع: هل تستعد طهران لإعادة تشكيل أحد أعمدة السلطة في إيران؟

حتى قبل بضعة أشهر، كانت هذه الفكرة تبدو شبه مستحيلة، إلا أن تصريحات مدير مركز الأبحاث "إحياء السياسة" والمقرّب من التيار المتشدد، مهدي خراتيان، تثير احتمال أن تكون بعض الدوائر في طهران تدرس بالفعل فكرة إجراء مراجعة واسعة لبنية السلطة في النظام الإيراني.

ويقول خبراء تحدثوا إلى "إيران إنترناشيونال" إن القضية الأساسية اليوم ليست إلغاء الحرس الثوري، بل طبيعة الكيان الذي قد يحل محله، إذا كان سيجري استبداله أصلاً بكيان مشابه.

ويرى بعضهم أن أي إعادة بناء هيكلية لن تتجاوز كونها إعادة ترتيب، صُممت للحفاظ على نفوذ الحرس الثوري مع تخفيف جزء من أعبائه السياسية والاقتصادية عن كاهل النظام. بينما يعتبر آخرون أن مجرد طرح هذا النقاش يشير إلى أن القيادة الإيرانية أدركت أن البلاد لن تتمكن من الخروج من تداعيات الحرب الأخيرة من دون تغييرات وتحولات.

عقبة الدستور

يرى المؤرخ شهريار خُلدي أن حل الحرس الثوري أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد إلغاء مؤسسة عسكرية، ويقول: "اسم هذه المؤسسة ليس (الحرس الثوري الإيراني)، بل (الحرس الثوري الإسلامي). وهذه نقطة بالغة الأهمية".

ويعتبر أن العقبة الرئيسية تكمن في الدستور الإيراني. فالمادة 150 من الدستور لا تنظر إلى الحرس الثوري باعتباره قوة عسكرية تقليدية، بل تعرّفه بوصفه مؤسسة مكلفة "بحماية الثورة ومنجزاتها". وهذه المهمة العقائدية تجعل حل الحرس بالكامل أمرًا بالغ الصعوبة.

ويعتقد خلدي أن قيادة النظام ستحافظ على البنية العامة للنظام، لكنها ستعيد ترتيبها بطريقة لا تُحدث تغييرًا جوهريًا في طبيعتها العملية.

ويقول: "سيحافظون على نظام الجمهورية الإسلامية، لكنهم سيغيرون شكلها بحيث تبقى طبيعتها كما كانت خلال الثلاثين عامًا الماضية: أوليغارشية عسكرية كاملة تختبئ خلف غطاء حكم ديني".

ويضيف أن إعادة هيكلة الحرس الثوري قد تحقق أيضًا هدفًا عمليًا؛ إذ إن الدول الغربية تصنف الحرس الثوري منظمة إرهابية، ولذلك فإن دمجه ضمن هيكل عسكري أوسع قد يمنح مسؤولي النظام الإيراني هامشًا أكبر للتحرك. وبحسب رأيه، فإن ذلك قد يسهّل مشاركتهم في الترتيبات الأمنية الدولية، خاصة إذا تم التوصل إلى اتفاق محتمل مع واشنطن، كما سيجعل من الصعب عزل الحرس الثوري بوصفه منظمة مستقلة.

علامة تجارية سامة

يقول المحلل السياسي، أميد معماريان، إن الحرس الثوري أصبح عبئًا كبيرًا على النظام الإيراني، سواء على الصعيد الداخلي أو في علاقاته الدولية.

ويشير إلى أن اسم الحرس داخل إيران ارتبط بسوء الإدارة الاقتصادية، والقمع السياسي، والتدخل العميق في مختلف جوانب حياة المواطنين. أما على المستوى الدولي، فقد جعلته العقوبات وإدراجه على قوائم الإرهاب منظمة يصعب على النظام الدفاع عنها سياسيًا.

ويرى معماريان أن احتمال إجراء مثل هذا التغيير لا يعني بالضرورة اختفاء الحرس الثوري، بل قد يكون محاولة لتقديم البنية نفسها في غلاف مختلف. ويؤكد: "الأشخاص أنفسهم الذين أنشأوا هذا النظام هم الذين يعيدون الآن ترتيب بنيته".

ومع ذلك، يعتقد أن هذا النقاش يعكس ما هو أبعد من مجرد إصلاح مؤسسي.

فبحسب رأيه، تشكل الآن نوع من الإجماع غير المعلن على أن إيران مضطرة إلى الابتعاد عن النموذج الذي كان قائمًا قبل الحرب.

ويأتي هذا النقاش في وقت يطرح فيه متشددون مقربون من المرشح الرئاسي السابق وعضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، سعيد جليلي، انتقادات غير مسبوقة، إذ يصفون المسار السياسي بعد الحرب بأنه "انقلاب داخلي" ضد المرشد مجتبى خامنئي، ويتهمون الشخصيات المقربة من رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، ورئيس البلاد، مسعود بزشكيان، بإبعاد الجمهورية الإسلامية عن مسارها الثوري.

تغيير الاسم أم تغيير حقيقي؟

أما بالنسبة إلى المدير الأول لبرنامج إيران في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، بهنام بن طالب ‌لو، فإن هذا النقاش يذكره بمقولة لشكسبير: "كل هذا يذكّرني بعبارة شكسبير في روميو وجولييت: "ما أهمية الاسم؟" والإجابة عن هذا السؤال مهمة. ماذا يخبرنا الاسم الرسمي للحرس الثوري الإسلامي؟ إن مهمة هذه المؤسسة واردة في اسمها نفسه: حماية الثورة الإسلامية والدفاع عنها".

ولا يتوقع بن طالب ‌لو حل الحرس الثوري، بل يحذر الحكومات الغربية من الخلط بين التغييرات الشكلية والإصلاحات الحقيقية، ويقول: "التحول الحقيقي يُقاس بالسلوك، وبالمضمون والجوهر، وليس بالمظهر. وعلى الغرب أن يميز بين التحول المصطنع والتحول الحقيقي".

ويرى أن تغيير اسم هذه المؤسسة أو دمجها في هيكل عسكري آخر ليس هو القضية الأساسية، بل إن الأهم هو ما إذا كانت ستتخلى عن دعم الجماعات المسلحة خارج البلاد، وعن هيمنتها على الاقتصاد الإيراني، وعن دورها بوصفها الركيزة الأساسية للجهاز الأمني في النظام الإيراني. وإذا لم تتغير هذه العناصر، فلن يتغير شيء.

وأضاف: "المضمون والجوهر يعنيان ما إذا كانت تلك المؤسسة، مهما كان اسمها، ستواصل العمل بالطريقة نفسها التي يعمل بها الحرس الثوري أم لا".

أزمة هوية بعد الحرب

في نهاية المطاف، يعكس النقاش الدائر حول الحرس الثوري سؤالاً أوسع يواجهه النظام الإيراني بعد الحرب الأخيرة: هل يستطيع هذا النظام إعادة بناء نفسه والاستمرار من دون إحداث تغيير جذري؟

ويرى خلدي أن أي إعادة هيكلة ستؤدي إلى ترسيخ الحكم العسكري تحت الغطاء الديني بصورة أكبر.

أما معماريان، فيعتقد أن قيادة النظام الإيراني أدركت أن نموذج ما قبل الحرب لم يعد قابلاً للاستمرار، لكنه يشكك في قدرة النخبة السياسية نفسها التي بنت هذا النظام على إحداث تحول جذري فيه.

وفي المقابل، يحذر بن طالب ‌لو من الخلط بين البراغماتية والاعتدال، ويقول:
"هناك من يخلط بين انتهازية قاليباف والاعتدال".

وفي الوقت الراهن، فإن هذا النقاش لا يشير بقدر ما يشير إلى اختفاء وشيك للحرس الثوري، بل يعكس سعي الجمهورية الإسلامية إلى إيجاد نموذج يمكنها من خلاله تجاوز أعمق أزمة تواجهها منذ عقود.

ويبقى السؤال المطروح دون إجابة: هل يحمل المستقبل إصلاحات حقيقية، أم مجرد اسم جديد لمؤسسة قديمة؟

لماذا لا يعني انخفاض أسعار النفط نهاية أزمة مضيق هرمز بين أميركا وإيران؟

29 يونيو 2026، 18:19 غرينتش+1
•
دالغا خاتين أوغلو
لماذا لا يعني انخفاض أسعار النفط نهاية أزمة مضيق هرمز بين أميركا وإيران؟
100%

عاد السعر العالمي للنفط إلى المستويات التي كان عليها قبل اندلاع الحرب في إيران.

ومع ذلك، فإن هذا الانخفاض لم يكن نتيجة لانتعاش المعروض، بل جاء ثمرة لمجموعة من الإجراءات الطارئة، بما في ذلك سحب النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية، واستخدام مسارات تصدير بديلة، والأهم من ذلك كله، تراجع الطلب العالمي.

ووفقاً لتقرير الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، فإن الصدمة الشديدة الناجمة عن اضطراب إمدادات النفط من المنطقة الخليجية قد تم تعويضها جزئياً بفضل الفائض الإنتاجي الذي تراكم العام الماضي وفي الأشهر الأولى من عام 2026، بالإضافة إلى سحب الدول الصناعية من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، واستخدام المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لمسارات تصدير تقع خارج مضيق هرمز، فضلاً عن الانخفاض الحاد في الطلب العالمي على النفط، لا سيما من جانب الصين.

ومع ذلك، فإن أبعاد هذا الاضطراب لا تزال واسعة النطاق وعميقة للغاية. فقد انخفض إنتاج النفط في عموم المنطقة الخليجية خلال الأشهر الأخيرة بأكثر من 10 ملايين برميل يومياً، وخسرت السوق في المجمل نحو مليار و300 مليون برميل من النفط المنتج في هذه المنطقة.

تراجع الطلب الصيني

بالتوازي مع ذلك، ومع تباطؤ الأنشطة الاقتصادية، تراجع الطلب العالمي على النفط في الربع الثاني من عام 2026 بمقدار 5.5 مليون برميل يومياً تقريباً.
وخفّضت الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وارداتها النفطية خلال الأشهر الأخيرة بنحو 40 في المائة، ما يعادل قرابة 4.6 مليون برميل يومياً؛ وهو الأمر الذي يعد أحد أهم الأسباب وراء تراجع أسعار النفط.

ورغم ذلك، لا تزال صادرات المنطقة النفطية أقل بنحو 25 في المائة من مستويات شهر فبراير (شباط) الماضي، ومن المتوقع أن تستغرق إعادة طاقة التصدير إلى ما كانت عليه قبل الحرب عدة أشهر.

وفي بعض الحالات، لا سيما بالنسبة لمنشآت الغاز الطبيعي المسال (LNG) المتضررة في قطر، فإن عملية إعادة الإعمار الكاملة قد تستغرق عدة سنوات.

النفط العائم في البحار

ثمة عامل مؤقت آخر ساهم في تخفيف الضغط عن السوق، وهو مخزونات النفط العائمة في البحار. إذ تخزن إيران وحدها نحو 150 مليون برميل من النفط الخام على متن ناقلات النفط، كما ساعد الإعفاء الذي منحته واشنطن لمدة شهرين لتصدير النفط الإيراني في خفض حدة التوتر في السوق.
ومع ذلك، فإن هذه الاحتياطيات لا تعدو كونها وسادة حماية مؤقتة (ممتصة للصدمات)، ولا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تحل محل طاقة الإنتاج المفقودة في المنطقة.

وفي غضون ذلك، لا يزال إنتاج النفط الخام والمكثفات والموائع النفطية الأخرى في منطقة الخليج أدنى بنحو 45 في المائة من مستويات شهر فبراير الماضي. وحتى المملكة العربية السعودية، التي يمكنها تصدير جزء من نفطها عبر خط أنابيب شرق-غرب والبحر الأحمر دون المرور بمضيق هرمز، لا تزال تنتج بمستويات أقل بكثير مما كانت عليه قبل الحرب، وهو ما يعكس حجم الاضطراب الهائل في السوق.

وإجمالاً، فإن النقص البالغ نحو مليار و300 مليون برميل في إنتاج النفط لم يُعوض إلا جزئياً من خلال سحب أكثر من 300 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية للدول الصناعية.

المشكلة مستمرة حتى منتصف 2027 على الأقل
حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، يبدو من المستبعد إصلاح الأضرار التي لحقت بسوق النفط العالمية جراء أزمة مضيق هرمز قبل منتصف العام المقبل (2027).

وفي الوقت نفسه، لا تزال المخاطر الجيوسياسية عند مستويات مرتفعة؛ إذ أظهر الهجوم، الذي وقع يوم الخميس 25 يونيو (حزيران) على سفينة تجارية بالقرب من سواحل عُمان، أن أمن الملاحة البحرية لا يزال هشاً رغم إقرار وقف إطلاق النار.

وقد ارتفعت تكلفة الشحن البحري في المياه الواقعة جنوب إيران إلى نحو 5.5 ضعف مستويات ما قبل الحرب، كما زادت أسعار استئجار ناقلات النفط بنحو 9 أضعاف.

ولا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على النفط الخام فحسب؛ إذ لا تزال صادرات البتروكيماويات، والمعادن، والأسمدة الكيماوية، والهيليوم، وغيرها من المواد الخام من الدول العربية المطلة على المياه الخليجية تواجه قيوداً صارمة. وهي قيود تؤثر بشكل مباشر على الصناعة، والزراعة، وسلاسل الإمداد، والتجارة العالمية ككل.

وبناءً على ذلك، لا ينبغي النظر إلى عودة أسعار النفط إلى نطاق 72 إلى 74 دولاراً كإشارة على انتهاء الأزمة. فهذه الأسعار تعكس واقع سوقٍ تتماسك بالاعتماد على الاحتياطيات الطارئة وتراجع الطلب، وليس سوقاً عادت إمداداتها إلى طبيعتها.
وما لم تعد حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى وضعها الطبيعي، ويعود إنتاج النفط في اىمنطقة الخليجية بالكامل، سيظل الاقتصاد العالمي عرضة لصدمات طاقة جديدة وتقلبات حادة في الأسواق.

كيف يمكن لاتفاق أميركي- إيراني إعادة تشكيل الشرق الأوسط؟

27 يونيو 2026، 17:22 غرينتش+1
•
بهروز توراني
كيف يمكن لاتفاق أميركي- إيراني إعادة تشكيل الشرق الأوسط؟
100%
اجتماع مسؤولين من الولايات المتحدة وإيران وقطر وباكستان قبل محادثات عُقدت الأسبوع الماضي خلال قمة بحيرة لوسيرن في سويسرا

أعادت مذكرة التفاهم الأولية بين طهران وواشنطن، الرامية إلى إنهاء الصراع الذي استمر 70 يومًا وإعادة فتح مضيق هرمز، رسم موازين القوى في المنطقة، مع تداعيات تمتد إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة.

وأوجد الاتفاق رابحين سياسيين واقتصاديين واضحين، إلى جانب خاسر بارز واحد على الأقل، في وقت تعيد فيه الحكومات تقييم أولوياتها الأمنية و"التجارية" والدبلوماسية.

ويُعدّ المستفيدون الرئيسيون من الاتفاق الدول الخليجية، إلى جانب الصين وباكستان، وجميعها لديها مصلحة قوية في استعادة الاستقرار الإقليمي وحماية حركة التجارة. وفي المقابل، تبدو إسرائيل الطرف الأكثر عزلةً سياسيًا، إذ تتزايد خلافاتها مع نهج واشنطن والاتجاه الدبلوماسي الأوسع في المنطقة.

وبالنسبة لمعظم دول العالم، فإن القضية الأساسية ليست التنافس الأيديولوجي بين إيران وإسرائيل، بل أمن التجارة البحرية.

ويُعد مضيق هرمز شريانًا حيويًا لتدفقات الطاقة العالمية، وكذلك لواردات المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية إلى منطقة الخليج العربي. وقد أدى إغلاقه إلى تعطيل صادرات النفط والغاز، وإبطاء النشاط الاقتصادي، وزيادة معدلات التضخم في أنحاء المنطقة.

ووفقًا لموقع "فرارو" المقرب من التيار المعتدل في إيران، رأى سفير بريطاني سابق لدى طهران أن العديد من الدول الخليجية تعتقد أن هذا الاتفاق كان ينبغي التوصل إليه في وقت أبكر بكثير، بالنظر إلى حجم الأضرار الاقتصادية التي سببتها الأزمة.

ولم يكن موقف دول مجلس التعاون الخليجي موحدًا إزاء الصراع. فقد عارضت قطر وسلطنة عُمان التصعيد منذ البداية، بينما اتخذت السعودية والإمارات مواقف أكثر حذرًا.

وأدت قطر دورًا وساطيًا مهمًا بشكل خاص، إذ ساعدت في تسهيل التواصل بين طهران وواشنطن. أما سلطنة عُمان، فقد تعرضت لضغوط إيرانية لتأييد فكرة فرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز، وهو اقتراح رفضته دول المنطقة والمجتمع الدولي، اللذان يعتبران المضيق ممرًا دوليًا وليس أصلًا تجاريًا.

ورغم هذه الاختلافات، فقد أسهم الاتفاق في تضييق فجوة الخلافات داخل مجلس التعاون الخليجي. كما عزز الشكوك بشأن مدى موثوقية الولايات المتحدة على المدى الطويل كضامن للأمن، رغم استمرار اعتماد جيران إيران العرب على البنية التحتية العسكرية الأميركية.

وتبدو الصين من أكبر المستفيدين من الاتفاق؛ فقد كان الهمّ الرئيسي لبكين طوال الأزمة هو الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي العالمي.

فإعادة فتح المضيق تخفّض تكاليف واردات الطاقة، وتدعم تعافي الاقتصاد الصيني، وتعزز الصورة التي تفضلها بكين لنفسها باعتبارها قوة تستفيد من الاستقرار من دون الانخراط المباشر في صراعات المنطقة.

كما يُتوقع أن تستفيد باكستان أيضًا. فمن خلال أدائها دورًا محوريًا في الوساطة، عززت إسلام آباد مكانتها الدبلوماسية، وقللت في الوقت نفسه من خطر انتقال عدم الاستقرار على حدودها الغربية إلى أمنها واقتصادها.

وأما بالنسبة لروسيا، فالصورة أكثر تعقيدًا. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا، ما زاد من عائدات موسكو. إلا أن الاتفاق يعكس هذا الاتجاه ويقلص تلك المكاسب. وفي المقابل، فإن استقرار الشرق الأوسط يقلل من احتمالات تعميق الدول العربية تعاونها العسكري مع أوكرانيا، ولا سيما في مجال الدفاع الجوي، وهو تطور يُرجح أن ترحب به موسكو.

وتبدو إسرائيل الخاسر السياسي الأكبر من الاتفاق. فقد كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يأمل في توسيع نطاق "اتفاقيات أبراهام"، إلا أن الحكومات العربية باتت تركز في المقام الأول على التوصل إلى ترتيبات دائمة تكبح البرنامج النووي الإيراني وتمنع اندلاع حرب إقليمية جديدة.

كما أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تبدو مصممة على تقويض الاتفاق، قلصت بدرجة أكبر الحماس الإقليمي لمسار التطبيع، ما جعل إسرائيل أكثر عزلة عن التوافق الدبلوماسي الآخذ في التشكل.

وأعاد الاتفاق أيضًا إحياء النقاش داخل إيران بشأن ما إذا كان أي اتفاق نووي مستقبلي قادرًا على الصمود بمفرده.

ويرى السفير الإيراني السابق، حسين موسويان، أنه لا يمكن لأي اتفاق نووي أن يستمر ما لم يتناول أيضًا جذور المواجهة الأعمق بين إيران وإسرائيل.

وفي تصريحات نقلها موقع "رويداد 24"، وصف موسويان المرحلة الحالية بأنها "فرصة ذهبية" لإحداث تحول في العلاقات بين طهران وواشنطن، لكنه حذر من أن أي اتفاق يقتصر على الملف النووي سيظل هشًا ما لم يُدمج ضمن إطار أوسع للأمن الإقليمي.

ويعكس هذا التقييم إدراكًا متزايدًا برز خلال الصراع، مفاده أن وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز ربما أوجدا فرصًا دبلوماسية جديدة، لكن استمرار هذه الفرص سيعتمد على معالجة التنافسات الإقليمية الأعمق التي قوّضت مرارًا الاتفاقات السابقة.

إيران بين "نجاح الصواريخ" و"فشل الثلاجة"

25 يونيو 2026، 15:21 غرينتش+1
•
رمضان الساعدي
إيران بين "نجاح الصواريخ"  و"فشل الثلاجة"
100%

في واحدة من أكثر المناظرات الإيرانية جرأة عقب المواجهات الأخيرة مع إسرائيل وأميركا، وجّه الناشط الإيراني، نويد كلهرودي، حديثه لأحد مؤيدي الرواية الرسمية عن الحرب قائلاً: "نفتح التلفزيون فنسمع عن الصواريخ التي أصابت أهدافها والانتصارات، ثم نفتح الثلاجة فلا نجد فيها ما يسد الجوع".

وذلك قبل أن يختم بجملة لخّصت المزاج العام المأزوم في الشارع الإيراني: "لقد هُزمنا في حرب الصواريخ والثلاجة".

قد تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى مجرد توصيف عابر لحالة اقتصادية صعبة، لكنها في الواقع تعكس معضلة أعمق تواجهها إيران منذ سنوات. فبينما تركز الدولة على إنجازاتها العسكرية وقدراتها الصاروخية، يواجه المواطن الإيراني أزمة معيشية متفاقمة تتجلى في التضخم المستمر، وتراجع قيمة العُملة الوطنية، وانخفاض القدرة الشرائية، واتساع رقعة الفقر.

وهذه الحقيقة كثيرًا ما تغيب عن بعض التحليلات، التي تتناول الشأن الإيراني من زاوية الصراع الإقليمي أو البرنامج النووي أو التوازنات العسكرية. فبالنسبة إلى قطاع واسع من الإيرانيين، لا تُقاس قوة الدولة بعدد الصواريخ التي تملكها، بقدر ما تُقاس بقدرتها على تأمين حياة كريمة لمواطنيها.

ولفهم جانب من هذه المعاناة، أتذكر حديثًا دار بيني وبين زميل صحافي سابق داخل إيران، بعد فترة من انقطاع خدمات الإنترنت. وعندما سألته عن أسباب الغضب الشعبي المتكرر، أجاب بجملة تختصر الكثير: "أصبحنا نقسّم الدجاجة الواحدة إلى أربع وجبات، رغم أن الأسرة تتكون من خمسة أفراد".

وقد يبدو هذا الوصف مبالغًا فيه للبعض، لكنه يعكس واقعًا يعيشه كثير من أبناء الطبقة الوسطى، التي كانت يومًا ما تمثل عماد الاستقرار الاجتماعي في البلاد. فهذه الطبقة تجد نفسها اليوم أمام تآكل مستمر في دخلها وقدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية، في ظل ارتفاع الأسعار بوتيرة تفوق بكثير زيادة الأجور.

ولا يقتصر الحديث عن الأزمة الاقتصادية على المواطنين الإيرانيين وحدهم. فقد أقرّ رئيس البلاد نفسه، مسعود بزشكيان، في رده على انتقادات من أوساط التيار المحافظ بشأن سياسات حكومته قبل يومين، بأن إيران تواجه معدلات تضخم مرتفعة منذ سنوات، وأن الأوضاع الاقتصادية تزداد صعوبة، محذرًا من اتساع دائرة اليأس بين الشباب وتراجع فرصهم في بناء مستقبل مستقر. كما أشار إلى الأعباء الاقتصادية، التي تفرضها الحروب والصراعات على الدولة والمجتمع.

ومن هنا يبرز السؤال، الذي يفرض نفسه بعد الحرب الأخيرة، ومع الحديث المتجدد عن إمكانات التفاوض والتفاهمات السياسية: ماذا بعد الاتفاق؟ وهل يكفي أي اتفاق جديد لتغيير الواقع الاقتصادي الذي يعيشه الإيرانيون؟

وعندما وُقع الاتفاق النووي عام 2015 بين طهران والقوى الدولية، سادت توقعات واسعة بأن يشكّل نقطة تحول في الاقتصاد الإيراني. فقد أُفرج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، وعادت طهران إلى أسواق النفط بدرجة أكبر، واستعادت بعض قنواتها التجارية والمالية مع العالم.

ولكن الآمال، التي عُلّقت على الاتفاق لم تتحقق بالقدر الذي توقعه كثير من الإيرانيين. فبعد سنوات من الانتظار، ظل المواطن العادي يواجه مشكلات التضخم والبطالة وتراجع مستوى المعيشة. ويرى كثير من الإيرانيين أن أسباب ذلك تعود إلى مزيج من العقوبات الخارجية من جهة، والفساد وسوء الإدارة والمحسوبيات من جهة أخرى، إضافة إلى الإنفاق المرتبط بالسياسات الإقليمية لإيران.

وفي هذا السياق اندلعت الاحتجاجات الواسعة، التي بدأت من مدينة "مشهد"، شمال شرق إيران، في نهاية عام 2017، على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة. ثم شهدت البلاد موجة أكبر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، بعد قرار رفع أسعار الوقود، قبل أن تدخل مرحلة جديدة من الاحتجاجات، عقب وفاة الشابة مهسا أميني، في سبتمبر (أيلول) 2022. كما شهدت إيران، في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، موجة جديدة من الاحتجاجات في عدد كبير من المدن، تزامنت مع التراجع الحاد في قيمة التومان (العُملة المحلية) وارتفاع سعر الدولار.

ورغم اختلاف الظروف والشعارات بين هذه المحطات، فإن القاسم المشترك بينها كان شعور شرائح واسعة من الإيرانيين بأن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تتجه نحو مزيد من التدهور. كما برز خلال عدد من هذه الاحتجاجات شعار "لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران"، في تعبير عن رفض بعض المحتجين ما يعتبرونه أولوية للملفات الخارجية على حساب القضايا الداخلية.

وعلى الرغم من إصرار السلطات الإيرانية في مناسبات مختلفة على ربط الاحتجاجات بعوامل خارجية، فإن طبيعة المطالب التي رفعها المحتجون، والظروف التي سبقت اندلاع تلك الاحتجاجات، تشير إلى أن العامل الاقتصادي والمعيشي ظل المحرك الأبرز لغالبية موجات الغضب الشعبي خلال السنوات الأخيرة.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه النظام الإيراني اليوم لا يكمن في قدرته على تطوير الصواريخ أو إدارة المواجهات العسكرية، بل في قدرته على الإجابة عن سؤال المواطن البسيط: ماذا يوجد في الثلاجة؟

فقد أثبتت تجارب الأعوام الماضية أن الإيرانيين قد يتحملون العقوبات والضغوط الخارجية لفترات طويلة، لكنهم لا يتجاهلون تراجع مستوى معيشتهم، وتآكل قدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية.

ولذلك فإن أي اتفاق مقبل، مهما كانت أهميته السياسية أو الاستراتيجية، لن يُقاس داخل إيران بعدد البنود الموقّعة أو حجم الأموال المُفرج عنها، بل بمدى انعكاسه على حياة الناس اليومية. فالإيراني الذي خرج إلى الشارع في 2017 و2019 و2022 و2026، لم يكن يبحث عن انتصار في نشرات الأخبار بقدر ما كان يبحث عن استقرار في حياته ومستقبل أفضل لأسرته.

وبين "نجاح الصواريخ وفشل الثلاجة"، تبدو معركة الاقتصاد والمعيشة هي الاختبار الحقيقي الذي سيحدد شكل العلاقة بين الدولة والشعب في إيران خلال السنوات المقبلة.