والسؤال المطروح اليوم: كيف سيتصرف العالم إزاء هذه الجريمة؟
تكرار صرخة الحرية
الشعب الإيراني، الذي ذاق لعقود طعم القمع والقتل والسجون والظلم، عبّر في السنوات الأخيرة، ولا سيما خلال الاحتجاجات الشعبية الواسعة الحالية، عن مطلبه بوضوح: إنهاء الاستبداد، ووقف القتل، وتفكيك بنية حكم تضحّي بحياة الناس من أجل بقائها.
والهتافات التي تعالت في الشوارع- من «الموت للديكتاتور» و«الموت لخامنئي» إلى «الموت لولاية الفقيه»، و«لا غزة ولا لبنان، روحي فداء لإيران»، و«المرأة، الحياة، الحرية»، و«الموت لغلاء المعيشة، سنواصل حتى إسقاط النظام»، إضافة إلى الهتافات الداعمة لولي العهد السابق، رضا بهلوي- ليست ردود فعل آنية، بل حصيلة سنوات من المطالب المتراكمة وتجربة شعب واجه الرصاص مرارًا.
واليوم، مطلب الإيرانيين من العالم واضح أيضًا: ليس التعاطف اللفظي ولا بيانات القلق المتكررة، بل إجراءات فعالة لوقف آلة القمع، ومحاسبة الآمرين والمنفذين للجرائم، والوقوف الصريح إلى جانب شعب دفع ثمن الحرية بدمه.
تحذير الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: حين تُغلق الطرق
يَرِد في مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تحذير واضح: "يجب أن تُحمى حقوق الإنسان بسيادة القانون حتى لا يُضطر الإنسان، كملاذ أخير، إلى التمرد على الطغيان والاضطهاد".
هذه ليست دعوة للعنف، بل إنذار للحكومات التي تغلق سبل الإصلاح والعدالة والاحتجاج السلمي، فتدفع المجتمع إلى حافة الانفجار.
وما يجري اليوم في إيران هو تجسيد دقيق لهذا التحذير، وليس حدثًا عابرًا. فمنذ السنوات الأولى لقيام النظام أصبح القمع أداة لترسيخ السلطة: من إعدامات الثمانينيات إلى الاغتيالات المتسلسلة وقمع الاحتجاجات الدموية في العقود اللاحقة.
وتكرّر هذا النمط في احتجاجات 2009 و2017 و2018 و2019 و2022، دون تحقيقات مستقلة أو محاسبة للمسؤولين، ما كرّس الإفلات البنيوي من العقاب.
إعادة إنتاج المنطق نفسه: مجازر منظّمة في 2025
اليوم، وبعد 17 يومًا على انطلاق الاحتجاجات الشعبية في إيران يُعاد إنتاج منطق القمع ذاته بشراسة غير مسبوقة.
وأكدت شبكة "سي بي إس" تقرير "إيران إنترناشيونال" بأن ما لا يقل عن 12 ألف شخص قُتلوا، وقد يصل العدد إلى 20 ألفًا.
وبحسب المعلومات، وقعت هذه المجازر بشكل أساسي خلال ليلتَي 8 و9 يناير (كانون الثاني) وكانت منظّمة، ونُفذت غالبًا على أيدي الحرس الثوري و"الباسيج"، وبأوامر مباشرة من علي خامنئي، وبعلم وموافقة رؤساء السلطات الثلاث، وبقرار من المجلس الأعلى للأمن القومي بإطلاق النار المباشر.
لماذا تُعد هذه المجازر «جريمة ضد الإنسانية»؟
حتى وفق أدنى التقديرات، نحن أمام قتل جماعي لآلاف المدنيين خلال فترة زمنية قصيرة.
وبحسب القانون الدولي، فإن هذا النمط- من حيث الشدة والانتشار والتنظيم الحكومي- يندرج ضمن الجريمة ضد الإنسانية: هجوم واسع أو منهجي ضد السكان المدنيين.
وتؤكد التقارير استخدام أسلحة حربية، وطلقات رشّ، وإطلاق نار من مسافة قريبة، في انتهاك صارخ لحق الحياة.
حتى في حالات الاضطراب، تُلزم القوانين الدولية قوات الأمن باستخدام الوسائل غير العنيفة أولًا، ولا يُسمح بالقوة القاتلة إلا عند الضرورة القصوى وبشكل متناسب.
قطع الإنترنت: إخفاء الجريمة
إن القطع الكامل للإنترنت ليس إجراءً تقنيًا أو سياسيًا فحسب، بل أداة لإدامة القمع وإخفاء المجازر؛ فهو يعيق التوثيق، ويمنع التنظيم السلمي، ويعطّل الوصول إلى الخدمات الطارئة، ويحرم العائلات من العثور على أحبائها، ويقوّض حرية التعبير والتجمع.
آلة القمع ودور القوى العابرة للحدود
يعتمد النظام الإيراني على شبكة ضخمة من القوات النظامية وشبه النظامية.
وإلى جانب ذلك، أفادت تقارير بمشاركة قوات أجنبية تابعة لإيران في قمع الاحتجاجات، بينها ميليشيات عراقية، وُصفت مشاركتها بأنها جريمة ضد الإنسانية.
المواقف الدولية: من الإدانة إلى إشارات التحرك
أدانت دول عديدة القمع، واستدعت بعض الحكومات سفراء إيران، وشدّدت تحذيرات السفر، فيما دعت دولٌ رعاياها إلى مغادرة إيران فورًا.
كما أكدت الولايات المتحدة دعمها للمتظاهرين، وحذّرت من ثمن باهظ سيدفعه المسؤولون عن القمع.
مسؤولية العالم: أبعد من «القلق»
إذا لم يشأ المجتمع الدولي أن يكون متفرجًا، فعليه اتخاذ إجراءات عملية عاجلة، منها:
- إلزام النظام بوقف فوري لاستخدام القوة القاتلة.
-تعطيل قيادة وآلة القمع لحماية المدنيين، لا بدافع الانتقام.
-ضمان وصول الجرحى إلى العلاج دون تهديد.
-توفير إنترنت حر وآمن للإيرانيين.
-فتح تحقيقات دولية مستقلة ومحاسبة الآمرين والمنفذين.
وما يُسمع اليوم في شوارع إيران ليس ملتبسًا: إنه مطلب بوقف القتل فورًا، ومحاسبة المسؤولين، وتفكيك منظومة القمع، حتى لو أدى ذلك إلى سقوط النظام الإيراني.
إنه نداء من أجل الحرية والكرامة الإنسانية.
ومسؤولية العالم ليست مشاهدة هذا الثمن، بل التحرك الفعلي لوقف المجازر وإنهاء الإفلات من العقاب.